أولاً: آل عمران العائلة القدوة
آل عمران، عائلة عظيمة، تتكون من جد اسمه: عمران، زوجته امرأة صالحة، لا نعرف اسمها رغم أنها سبب خير العائلة وصلاحها، أخرج الله من ذريتها بنتين،
الأولى: وهي الكبرى تزوجت زكريا عليه السلام، وهي أم يحيى عليه السلام.
الثانية: مريم وهي الصغرى والتي أنجبت سيدنا عيسى عليه السلام دون أن يمسها بشر،{إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاء إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ} [ آل عمران 45-47 ]
حقاً إنها عائلة عظيمة، عائلة الصلاح والتقوى، والإيمان، والنقاء، والطهارة، خُلِّدَ ذكرها في القرآن إلى يوم الدين لأنها القدوة وبها تقاس العائلة العظيمة، وهي المقياس لكل من أراد أن يبني عائلة.
فإذا كان هدفك هو الوصول إلى عائلة مؤمنة نقية تقية تخرج ذرية صالحة، فابحث أولاً عن الموصولة بربها المحبة لدينها، وكذلك البنت التي تهدف إلى بناء عائلة فالنموذج القدوة "آل إبراهيم وآل عمران"
الله عز وجل قال: {إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}[آل عمران 33-34] فآلَ إِبْرَاهِيمَ: هاجر أم إسماعيل جد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وسارة أم إسحاق عليه السلام. وَآلَ عِمْرَانَ آخر أسرة صالحة في بني إسرائيل منها نبي الله يحيى، ونبي الله عيسى عليهما السلام. وبهم انتهت سلالة سارة أم إسحاق. أما هاجر فكان منها خاتم الأنبياء سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، ونحمد الله أن جعلنا من أمته عليه الصلاة والسلام
سبحان الله، إن سلالة الأنبياء كلها موصولة ببعضها، ترى أهذه صدفة؟ حاشا لله! ليست صدفة بالطبع، فالله سبحانه وتعالى يعلمنا شيئاً عظيماً لا بد أن نفهمه جيداً: الإنسان المتدين يفهم دينه فهماً صحيحاً ويحب الله من كل قلبه فما يكون الجزاء إلا أن يرضى الله عنه ويُخرِج من ذريته الصالحين، إنها رسالة لكل إنسان صالح. فبحسب إيمانك ومنزلتك عند الله يخرج من ذريتك الأتقياء العابدين. فالتربية مرحلة لا نهائية، خذ بالأسباب وحينها ومهما حدث من ابنكما فسيرجع إلى رشده بإذن الله.
أيه الأب أيتها الأم: إن العائلة أمانة في أعناقكما، فالله الله في هذه الأمانة. بأيديكما تكرار تجربة آل عمران، تلك العائلة المؤمنة التي أنجبت الصالحين! يا لفرحتكما بأبنائكم وأحفادكم حين ترونهم تسعد الدنيا بأخلاقهم وإيمانهم، لقد خرَّجتم إلى الدنيا نماذج ناجحة في كل شيء: إيمان، أخلاق، سلوك، علم، عمل، نقاء، وطهارة. ياله من حلم تحقيقه على أيديكم أنت المقبل على الزواج، وأنت المقبل على التزويج.
سورة آل عمران نزلت بعد غزوة أحد، وهي الغزوة التي نزل فيها الصحابة من على الجبل، وعصوا أمر النبي r فالله يقول لهم: أنتم أخطأتم، لكن أنا سأصطفيكم مرة أخرى حتى لا تقعوا في هذا الخطأ مرة ثانية، وستدركون من حلال سورة كاملة اسمها"آل عمران" صفات الناس الذين اصطفاهم الله تبارك وتعالى. هؤلاء الناس هم: {آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ} فهم محور البشرية جميعها، اصطفاء من الله سبحانه وتعالى. وأنت أخي المؤمن: واقع تحت نوع من الاصطفاء، انظر إلى تعداد أهل الأرض الذي يقدر بستة مليارات ونصف، جعلك الله من المليار وربع المسلمين، ثم اصطفاك الله فجعلك من الثلاثة أرباع الذين يصلون، ثم اصطفاك فجعلك من الذين يصلون في المسجد، ثم اصطفاك فجعلك ممن يحضرون جلسات العلم في المسجد، انظر إلى مدى حب الله بك. فكل ما تنعم به فهو من رحمة الله عليك {قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ} [يونس 58]
عائلة آل عمران كانت تعيش في فلسطين عند المسجد الأقصى، فكانت العائلة الوحيدة أو من العائلات القليلة المؤمنة، أما البقية من بني إسرائيل فقد كانوا معرضون عن الله، والرومان مسيطرون على فلسطين، وسبحان الله سنجد أن من سيقف ويعيد فلسطين هو إخلاص زوجة عمران وهي سيدة مخلصة، فبإخلاص سيدة سيطلع من بطنها من سيحرر المسجد الأقصى.
رزقت البنت الكبرى ثم توقف الإنجاب حتى كبرت البنت فتزوجها سيدنا زكريا وهو كبير في السن كما وصف نفسه:{قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا} العظم أصبح رقيقاً جداً واشتعل الرأس، أي عجوز جداً. وتحرير فلسطين يحتاج إلى شباب [فقضية هذه العائلة هي إنجاب من سيحرر فلسطين]
ظل عمران وزوجته يتضرعان لله: رب، ليس لنا ولد، أنجبنا بنتاً واحدة، ولم نعد قادرين على الإنجاب، وبنتنا الوحيدة زوجها كبير وغير قادرين على الإنجاب أيضاً، واستمر الدعاء، ورغم كبر السن إلا أنهما يريدان أن يقوما بعمل أي شيء لفلسطين وللمسجد الأقصى.
أخي الشاب: بعد ثلاثين سنة من اليوم سنكبر ونكون في وضع آل عمران، ونقول: ياليتني فعلت شيئاً لهذا الدين، وأنا في شبابي، ياليتني مكنت لهذا الدين في فرنسا وأنا في شبابي، رزقني الله الولد ياليتني….
امرأة آل عمران حددت هدفها وأخلصت من أجله واستمرت في الدعاء حتى بدأت المفاجأة! بدأت تحس بجنين في أحشائها، ما هذا؟ أنا حامل؟ سجل القرآن قولتها{إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}[آل عمران35] تعلمون: لو أن إنساناً مخلص جداً وصادق في إخلاصه لا بد أن الله سيغير لأجله الأمر.
قالت امرأة عمران: " فتقبل مني" ما ذا يتقبل منها وهي لم تنجب بعد؟ إنما تعني: تقبل مني نيتي، ومثلها: تقبل مني المال، تقبل مني الدعوة، تقبل مني مساهمتي في المشروع، تقبل مني ..
افهم حفظك الله: فلما وضعتها حدث أمر عجيب جداً، مفاجأة، هي تقول: يارب، نريد رجالاً يحررون المسجد الأقصى أريده ذكراً، أريده ولداً: {فَلَمَّا وَضَعَتْهَا] [آل عمران 36] هي كانت تقول: تقل مني، فإذا بالمفاجأة، لقد كان المولود بنتاً! بعد كل النوايا والنذور، وبعد انتظار سنوات وهي تتمنى أن يكون ولداً، صار عندها بنتاً. أخي: ضع نفسك مكان امرأة عمران؟ سنوات تتمنى أمنية وعندما بدأت الأمنية تتحقق والفرحة غامرة، ثم فجأة! الحلم يتحطم؛ لأن المولود بنتاً.
انظر ما ذا تقول الآيات؟ وكأنها تعتذر لله: يمكن لنيتي أن لا تكون خالصة أولم أكن مخلصة لك بها:{ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ} فتقول تبعاً لكلامها:{وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى} أنا كنت أريده رجلاً لكنها بنت. وهنا نستفيد شيئاً جميلاً حداً، أحياناً تكون نيتنا حسنة جداً، أنا سأعمل كذا، سأقلع عن المعصية هذه وتكون متحمساً جداً وتدعو الله قائلاً: والله لن أفعل الذنب الفلاني مرة أخرى، ثم بعد فترة تجد أن دعاءك لم يُسْتجب، والأمنية الكبيرة لم تتحقق، فإياك أن تظن أن معنى هذا أن الله لم يقبلك إنما يمكن أن يدبر الله لك أمراً آخر وتكون دعوتك بالفعل قد تقبلها الله. فهو القائل وقوله الحق{ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة186]
فجأة عادت ثقتها في الله وقالت: {وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ} ومريم تعني: "العابدة" في لغتهم. فهي وإن كانت بنتاً فاجعل من ذريتها رجالاً ينصرون هذا الدين. يقول النبي r[ما من مولود يولد إلا يسمه الشيطان حين يولد-ويمسه معناه: يوكزه- فيستهل صارحاً من مسه إياه – فمن ذلك صرخة المولود فهذا هو سبب بكاء الولود بعد الولادة، فهو يبكي من وكزة الشيطان: إلا مريم وابنها عيسى u، لم يستطيع الشيطان أن يوكزهما وذلك بدعوة امرأة عمران:{وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ}
فكل البشر سيمسهم الشيطان إلا ابنتك وحفيدك لم يمسهما الشيطان، أيتها المرأة زوجة عمران.
الحبيب صلى الله عليه وسلم يقول: إذا أتى الرجل أهله فقال: بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإذا قضي بينهما بولد في هذه الليلة لا يمسه الشيطان. [مسلم]. الله أكبر
ثانياً: يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ
يبدأ القرآن الكريم حديثه عن أسرة عمران، ويصفها بأنها أسرة صالحة اختارها الله كما اختار آدم عليه السلام، ونوح عليه السلام، وإبراهيم عليه السلام، فيقول: {إِنَّ اللّهَ اصْ
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ